فصل: تفسير الآيات (161- 164):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التفسير القرآني للقرآن



.تفسير الآيات (154- 157):

{ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (154) وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155) أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ (156) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْها سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ (157)}.
التفسير:
فى العطف بثمّ هنا على الآيات السابقة ما يشير إلى أن هذا الخبر الذي تضمنته، متأخر زمنا عن الأحكام الواردة في تلك الآيات.. وهذا يخالف الظاهر.. فإن ما نزل على النبيّ من آيات تلاها على الناس، هو متأخر زمنا عن الكتاب الذي نزل على موسى، وهو التوراة.. فما تأويل هذا؟
والجواب: أن هذا الذي يتلوه الرسول الكريم من كلمات ربه هو متقدم حكما على كتاب موسى، وإن جاء متأخرا زمنا.. ذلك أن القرآن الكريم هو أصل الكتب السماوية، وأنه جمع ما تفرق منها. وقد أشرنا إلى ذلك عند تفسير قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ} [48: المائدة].
فإن ما أنزل اللّه على موسى، هو مما شرع اللّه من قبل للأمم السابقة، فيما جاء على لسان نوح وإبراهيم، وغيرهما من الأنبياء.. إذ أن شرع اللّه واحد، وهذا الذي تلاه النبيّ من كتاب اللّه هو أصل كل شريعة، وقوام كل دعوة سماوية، سبقت شريعة موسى، أو جاءت بعدها.
وقوله تعالى: {تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ} هو وصف للحال الذي نزل عليها الكتاب الذي جاء به موسى، وهو أنه جاء تاما على أحسن ما يكون عليه التمام، كما جاء مفصلا لكل شيء.. ففى التوراة بيان مفصل لكل جزئية جاءت بها الشريعة الموسوية، فيما يتصل بالعقيدة، أو بالأمور الدنيوية، حيث لم تدع مجالا لتأويل أو تفسير، ولا مكانا لعقل ينظر ويجتهد.
وذلك:
أولا: ليسدّ على بنى إسرائيل الطريق إلى التأويلات الفاسدة، وإلقاء أهوائهم كلها على كلمات اللّه، إذا جاءتهم مجملة، تحمل أكثر من محمل.. وذلك لما عرف عنهم من المكر بايات اللّه والاستخفاف بحرماته.
وثانيا: ليلغى عقول هؤلاء القوم، وليمسك بهم في دور الطفولة، جزاء لما استولى عليهم من طبائع خبيثة، لا تؤمن إلا بما يقع لأيديهم من محسوسات، فكانت التوراة بهذا التفصيل الذي جاءت به، أشبه بالمحسوسات في وضوحها، وتحديد دلالاتها.. ومع هذا فقد خرجوا على حدودها، بما أدخلوا عليها من حذف وإضافة ومن تبديل وتحريف.
وقوله تعالى: {لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ} هو تعليل لهذا التفصيل الذي جاءت عليه التوراة، الأمر الذي لا يدع لهم سبيلا إلى التأويل والتخريج، والذي من شأنه أن يكشف لهم الطريق إلى اللّه، وإلى الإيمان به، وبالدار الآخرة، التي هم في ذهول عنها، لما يشغلهم من أمور الدنيا، ويحبس عقولهم وقلوبهم عليها.
هذا، وفى خطاب اليهود بضمير الغائب، دون أن يجرى لهم ذكر يعود إليه هذا الضمير- استخفاف بهم، وإهمال لشأنهم، إذ كانوا في هذا الشرود وذلك الذهول عن اللّه، وعن كلماته المفصّلة التي بين أيديهم.
قوله تعالى: {وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} هو دعوة للمسلمين، إلى اللّه، وإلفات لهم إلى هذا الكتاب الذي جاءهم به رسول اللّه من ربّه، يحمل البركة والخير والرحمة، لمن اتّصل به، وأخذ عنه.
وقوله سبحانه: {أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ}.
بيان للحكمة من إنزال هذا الكتاب على الأمة العربية، بلسانها العربي، وعلى يد رسول عربى، دون إحالة لهم على ما عند غيرهم من أهل الكتاب.. وفى هذا فضل عظيم من اللّه على هؤلاء القوم، الذين خصهم اللّه برحمته، ومسهم بفضله، فجعلهم أهلا لخطابه، وموضعا لمغارس السماء فيهم.. فلا حجّة لهم بعد هذا، ولا مكان لقول يقولونه إذا هم حوسبوا على هذا الشرك وذلك الضلال الذي هم فيه، حيث يقولون: إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا، ولم ندرس ما عندهم، ولم نتلق عنهم، لأننا أمة لنا كيان واعتبار، وتأبى علينا أنفسنا أن نجيء إليهم متطفلين على ما في أيديهم.
فها هو ذا الكتاب الذي كانوا يتطلعون إليه، قد جاءهم.. فما حجتهم إذا لم يتبعوه ويؤمنوا به؟.
والطائفتان اللتان سبقتا الأمة العربية بالكتب المنزلة، هما: اليهود والنصارى.. وقد خصّا بالذكر لأنهما كانا من المساكنين للأمة العربية، والمتصلين بها، زمانا ومكانا.
وقوله تعالى: {أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ} هو من المقولات التي كان يمكن أن يقولها مشركو العرب، لو لم ينزل عليهم القرآن الكريم.. وها هو ذا الكتاب المبارك قد نزل عليهم.. فماذا هم فاعلون به؟ وما حجتهم على اللّه إذا زهدوا فيه، أو وقفوا منه موقف العداوة، ونصبوا له الحرب، كما هم يفعلون الآن والنبي معهم؟.
وقوله تعالى: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْها} هو وعيد لهؤلاء المشركين الذين استقبلوا آيات اللّه بالتكذيب بها، وبالصدّ عنها، فإنهم قد ظلموا أنفسهم، وحرموها هذا الخير المرسل إليهم، وحجبوها عن تلك الرحمة المهداة لهم.
وقوله سبحانه: {سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ} هو حكم بالعقوبة الرادعة، والجزاء الأليم، لأولئك الذين كذّبوا بآيات اللّه وصدّوا عنها.. والصّدوف عن الشيء: التولي عنه، والمجانية له.

.تفسير الآيات (158- 160):

{هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (158) إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (159) مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلاَّ مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (160)}.
التفسير:
بعد أن أعذر اللّه للمشركين من قريش ومن حولهم، بما بعث فيهم من رسول منهم، وبما أنزل إليهم من كتاب كانوا يتمنونه من قبل ليكونوا أهل كتاب كاليهود والنصارى، وبعد أن كان منهم هذا الذي استقبلوا به الكتاب والنبىّ الذي حمل إليهم الكتاب، من مشاقّة وعناد، وتكذيب- بعد هذا كله لم يكن لهم أن ينتظروا إلا أن يصيروا إلى هذا المصير الذي يقودهم إليه كفرهم وضلالهم، إذ لا هدى لهم بعد هذا الهدى، ولا كتاب بعد هذا الكتاب.. ولهذا جاء قوله تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ}.
لينكر عليهم هذا العناد الذي هم فيه، وليدخل اليأس عليهم من أن ينتظروا جديدا، يطلع في أفقهم بدعوة تدعوهم إلى اللّه، إذ ليس هناك دعوة أبلغ ولا أبين من هذه الدعوة التي بين أيديهم.
وأنهم إن كانوا ينتظرون أن تأتيهم الملائكة، أو يأتيهم اللّه، أو تأتيهم بعض آيات اللّه.. فلينتظروا.
أما الملائكة فلن يأتوا أبدا.. واللّه سبحانه وتعالى يقول: {قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا} [95: الإسراء].
وأما اللّه سبحانه وتعالى، فهو معهم أينما كانوا، ولكنهم لن يروه عيانا، لأنه سبحانه منزّه عن أن يحدّ، ولو رؤى لكان محدودا.
وأما بعض آيات اللّه، وهى نذر الهلاك المرسل إليهم، أو علامات الساعة التي تكون بين يديها- فإنها إذا جاءت لم تكن من تلك المعجزات التي تكشف للناس طريق الإيمان إلى اللّه، وإنما هي آيات تطلع عليهم بالمهلكات، حيث لا فائدة للإيمان بعدها، ولا أثر له في حياة صاحبها، لأنها تأتى لتنهى حياة الناس، لا لتجدّد لهم حياة طيبة في الحياة.... وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ} فالإيمان عند استقبال الموت لا ينفع صاحبه، فهو كإيمان فرعون حين أدركه الغرق.
وقوله تعالى: {أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً}.
الضمير في إيمانها يعود إلى النفس التي آمنت عن مجيء نذر اللّه، ثم تراخى الموت قليلا عنها حتى ملكت أمرها، واستطاعت أن تتصرف في الحياة- وهى مؤمنة- تصرفا يجرى مع الإيمان في طريق الخير والإحسان.. وهذا من رحمة اللّه بالناس وفضله عليهم، إذ لم يحرمهم ثمرة الإيمان الذي دخلوا فيه، وهم بين إرهاصات الموت ونذره.
وقوله تعالى: {قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ} هو وعيد للمشركين، وإبعاد لهم من الإيمان الذي دعوا إليه فصدّوا عنه، وتركهم وما هم فيه من ضلال، ينتظرون ما ينجلى عنه كفرهم وعنادهم، وما ينجلى عنه موقف النبي وأصحابه.. معهم! قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ} هو إشارة إلى اليهود والنصارى، وما انتهى إليه أمرهم من تفرق واختلاف في دينهم الذي بين أيديهم، وقد تفرقوا شيعا وأحزابا.. كلها على غير طريق الحق، لأن الحق طريق واحد، ومن استقام عليه قليل من كثير، وفرقة واحدة من جميع هذه الفرق.
وقد نبّه اللّه سبحانه وتعالى النبيّ إلى هذا الخلاف الذي بين اليهود واليهود، وبين النصارى والنصارى، ثم بين اليهود والنصارى، وأنه ليس للنبى أن يدخل معهم في جدال، {إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ} أي يفصل بينهم فيما اختلفوا فيه، ويجزى كلّا بما كسب، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى بعد هذا: {مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ} هكذا رحمة اللّه، وكذلك عدله.
يجزى الحسنة بعشر أمثالها.. فضلا وكرما، ويجزى السيئة بمثلها.. عدلا وصدقا.

.تفسير الآيات (161- 164):

{قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161) قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (164)}.
التفسير:
بهذه الآيات، والآية التي بعدها تختم هذه السورة، التي كانت كلها دعوة إلى اللّه، ومعارض مختلفة للكشف عن قدرته، وعلمه، وحكمته.
فهى- وإن اختلفت مواقف الدعوة فيها إلى اللّه- تمثل جميعا موقفا واحدا، ينتهى النظر بعد ترداده فيها، وتطوافه حولها إلى التسليم بأن لهذا الوجود ربا، وأن لهذه الموجودات خالقا مبدعا، قائما على كل كبير وصغير منها.
هكذا ينتهى النظر في هذه المعارض الكثيرة المختلفة التي عرضتها السورة هذا العرض المعجز المبين- ينتهى النظر وقد امتلأت قلوب المؤمنين إيمانا باللّه، وخشية لجلاله وولاء لعظمته وقدرته.. أما المشركون، والكافرون، ومن في قلوبهم مرض، فلا على المؤمنين من أمرهم شيء.. فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.
والرسول الكريم هو إمام المؤمنين، وقدوة المهتدين، ولهذا فقد كان من فضل اللّه عليه، ورعايته له أن لقيه- سبحانه- بعد هذه المواقف المتزاحمة بينه وبين المشركين- لقيه ربه بهذا الهدى السماوي، ليثبت به فؤاده، ويشرح به صدره.
{قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} فعلى هذا الصراط المستقيم أقام اللّه نبيه الكريم من أول خطوه في الحياة.
وقوله تعالى: {دِيناً قِيَماً} هو بدل من {صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ} على اعتبار أنه منصوب محلّا.. أي هدانى ربى صراطا مستقيما: {دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ} وقوله تعالى: {مِلَّةَ إِبْراهِيمَ} بدل من قوله: تعالى {دِيناً قِيَماً} و{حَنِيفاً} حال من إبراهيم، {وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} حال أخرى.
وقوله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ} هو بيان لهذا الصراط المستقيم الذي هو الدين القيم، والذي هو ملة إبراهيم، والذي من شأن من يستقيم على هذا الصراط، ويتبع هذا الدّين أن يكون ولاؤه كله للّه، وعمله كله للّه.. فلا يصلى إلّا له، ولا يتقرب بالطاعات والقربات إلا إليه وحده، وأن تكون حياته كلها للّه، مسلما له وجهه، مفوضا إليه أمره، حتى إذا مات كان إلى اللّه مصيره، وبين يديه موقفه وحسابه.
تلك هي عقيدة من أقامه اللّه على صراطه المستقيم، وذلك هو ولاؤه للّه رب العالمين.. وهكذا كان النبيّ، وهكذا ينبغى أن يقتدى به كل مؤمن باللّه وبرسوله.
وقوله تعالى: {وَبِذلِكَ أُمِرْتُ} إشارة إلى أن هذا الذي عليه النبي، من إيمان باللّه، وولاء له، ليس من عند ذاته، وإنما هو مما أمره اللّه به، وأمره أن يبلغ الناس إياه.
وقوله تعالى: {وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} أي أول من استجاب لدعوة اللّه التي دعى إليها، وأمر أن يؤذّن بالناس فيها.. فالنبىّ هو صاحب الدعوة الإسلامية، فكان أول من لبس ثوبها، وتوّج بتاجها.
والسؤال هنا: هل كان النبيّ- صلوات اللّه وسلامه عليه- أول المسلمين عامة، أي أول الإنسانية كلها إسلاما.. أم هو أول المسلمين من أمة محمد وحدها؟.
والجواب على هذا- واللّه أعلم- أنّه- صلى اللّه عليه وسلم- أول المسلمين في أمته، إذ أن الإسلام هو سمة الرسالة المحمدية وحدها، من بين الرسالات السماوية كلها، وأن الإسلام وإن كان هو دين اللّه، الذي جاءت به رسالاته كلها، إلا أنه لم يأخذ هذا الوصف إلا في رسالة محمد، التي كانت مجتمع الرسالات، وخاتمتها، وأن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام قد دعوا اللّه بأن يجعل منهما أمة مسلمة، هي أمة محمد عليه الصلاة والسلام.
وفى هذا يقول اللّه على لسانيهما: {رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ} [128: البقرة] ويقول سبحانه {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ} [78: الحج] وقوله تعالى: {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ} أمر من اللّه- سبحانه- للنبىّ أن ينكر على المشركين ما هم فيه من ضلال وشرك باللّه، وأنهم إذا ابتغوا غير اللّه ربّا، فلن يبتغى هو غير اللّه ربّا، فاللّه هو ربّ كل شيء، واتخاذ غيره إلها، هو شرود عن الحق الذي استقام عليه الوجود كله.
وقوله سبحانه: {وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى} هو تقرير لهذه الحقيقة التي استقام عليها النبيّ ومن تبعه من المؤمنين، إذ أن كل إنسان محاسب على ما عمل، ومجزيّ به، وما تكسبه كل نفس فهو محسوب عليها: {وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى} أي لا تحمل نفس ذنب نفس أخرى إذ كل نفس بما كسبت رهينة.
والوزر: الحمل الثقيل، ومنه قوله تعالى: {وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ}.
وقوله تعالى: {ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} هو تذكير للناس جميعا بربهم الذي أنشأهم، وربّاهم، وأنهم سيعرضون عليه بأعمالهم، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.